مترجم: أبناء الخوف: كيف أثّرت الحروب المستمّرة على الأطفال في فلسطين؟

مترجم عن Gaza’s Mental-Health Crisis and the Trauma of Permanent Warللكاتب Jen Marlowe

 

لقد قتلني اليهود”. كنت ألتهم الإفطار مع الطفل إبراهيم عواچه، في بلدة بيت لاهيا، شماليّ غزة، حين قال هذا. رأى والده كمال الدهشة على وجهي، فصحّح مسرعًا لابنه الصغير، “لا، لا، أنت إبراهيم الثاني. لقد كان أخوك هو من قُتل، لا أنت.

إبراهيم الأول، في عامه التاسع، أطلق عليه جنديّ إسرائيلي الرصاص وقتله خلال الهجوم على القطاع، عام 2009، العملية التي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي “الرصاص المصبوب”. شاهد الوالدان والأقارب موت الصغير، وهدم المنزل بأعينهم. بعدها وُلِد إبراهيم الثاني، في 2011، وسمّي تيمّنًا بأخيه الشهيد. شهِد إبراهيم منذ مولده حتى الآن، حملتين عسكريّتين موسّعتين، وعاش معظم حياته الصغيرة في مبانٍ هي أشبه بالخيام، مرّةً في الفترة التي كان يُعاد بناء بيت العائلة فيها بعد تدميره في عملية الرصاص المصبوب، ثمّ مرّة أخرى بعد تدميره، مجدّدًا، في صيف 2014.

بدأت إسرائيل عمليّتها، الجرف الصامد، في الثامن من يوليو، العام الماضي؛ هدفها المعلن كان “إعادة الهدوء لجنوبيّ إسرائيل” بعد القصف المتزايد بصواريخ المقاومة، من قطاع غزة. خلّفت مذبحة الخمسين يومًا 2,131 قتيلًا من الفلسطينيين، سبعون بالمائة منهم مدنيون، ومنهم 539 طفلًا. قوّات حماس في غزّة أعدمت، على الأقل، 23 متعاونين مزعومين مع إسرائيل. قُتل 71 إسرائيليًّا، منهم 66 جنديًّا، وطفل في الرابعة. تم تدمير أو الإضرار بأكثر من 16 ألف وحدة سكنية، وتشريد حوالي 118 ألفًا من السكّان، ما زالت عائلة عواچه من ضمنهم. صحيحٌ أنه قد تمّ ترميم الكثير من المنازل المتضرّرة، لكن لم يُعد بناء ولا حتّى منزل واحد من تلك التي دُمّرت بالكامل.

تسلّقت، مع وفاء عواچه، الأطلال التي كانت منزلها.

“هنا كانت غرفة البنات، وغرفة الأولاد بجوارها. هذا كان المطبخ، هنا الحمام، وهنا السلالم. كلّ أحلامي مدفونة تحت هذا الركام. وحتّى لو أُعيد بناء المنزل، سأظلّ خائفة دومًا من أن يدمّروه مجدّدًا”.

GAZA CITY, GAZA - JUNE 15: Bomb damaged homes still scar the landscape with some families still living in the dangerously unstable buildings that scar Gaza on June 15, 2015, Gaza City, Gaza. The devastation across Gaza can still be seen nearly one year on from the 2014 conflict between Israel and Palestinian militants. Money pledged by the international community six months ago to rebuild Gaza has not materialised leaving many Palestinians impoverished and still suffering with the poor economy. United Nations official figures said that the 50 day war left at least 2,189 Palestinians dead, including more than 1,486 civilians, and 11,000 injured. 67 Israeli soldiers and six civilians were killed. (Photo by Christopher Furlong/Getty Images)

سألت عن صبحي، الابن البالغ خمسة عشر عامًا من العمر. بدا هذه المرّة أكثر انسحابًا عن العالم من المرات السابقة التي زرت فيها العائلة، عندما كنت أصوّر الفيلم الوثائقي “عائلة في غزّة”. صبحي، الذي كان تلميذًا متلهّفًا، لا يذهب إلى المدرسة الآن. يقول والده كمال:

“لقد فقد صبحي الأمل في كثير من الأشياء. فقد أخاه إبراهيم، وفقد منزله. لقد حاولنا دعمه نفسيًّا. قلنا: (الحياة تمضي)، (كل شيء يمكن إعادة بنائه). لكن مع حرب 2014، وتدمير المنزل مرّة أخرى، تضررت حالة صبحي العقليّة والنفسية، ولا أدري كيف أتعامل مع هذا”.

قدّرت اليونيسيف، في تقريرها الصادر في فبراير 2015، أنّ ثلاثمائة ألف من أطفال غزة – حوالي ثلث أطفال القطاع– ما زالوا بحاجة إلى الدعم السيكولوجي والاجتماعي، بعد انتهاء الحرب.

إلينا شيريبانوف، أخصائية في الصحّة العقلية، خبيرة بحالات الصدمات الجماعية الثقافية. تقارن الأثر السيكولوجي من العنف في غزّة بالأزمات التي رأتها في الشيشان، وليبيريا، وأبخاذيا. تقول:

“المشكلة هي حالة الحرب الدائمة التي لا تؤدي إلى التعافي السريع. الحرب الدائمة تعني تأثيرًا صادمًا ممنهجًا على المجتمع، يتغلغل في كل نواحي الحياة. هذه أجيال تنشأ بلا فرصة في العيش في أمان، أو التخطيط للمستقبل، وهذان أمران شديدا الأهمية لعملية التعافي من الصدمة”.

***

كنت أجلس مع دكتور جميل عبد العاطي، مدير مركز الطب النفسي والجسدي، في منزله بغزّة.

عندما نتحدث عن (اضطراب ما بعد الصدمة)، فيجب أن يكون هناك “بعد” الصدمة أصلًا. في غزّة، لم ينتهِ الأمر بعد.

كان وجهه مضاءً بكشّاف هاتفه الخلوي؛ لانقطاع الكهرباء. بعد 6 أشهر من وقف إطلاق النار، لم تنعم غزّة سوى بستّ ساعات من الكهرباء يوميًّا، بسبب الضرر الذي وقع على محطّة كهربائها الوحيدة، والحصار الإسرائيلي الذي استمرّ منذ تولّي حماس سلطة القطاع في 2007. ومنذ أبريل، سارت الكهرباء على جدول ثابت: ثماني ساعات من الانقطاع، ثم ثماني ساعاتٍ من الوصل.

سألت عبد العاطي عن تلك التغييرات التي لاحظتها على عائلة عواچه. عندما قابلتهم لأول مرّة، بعد 6 أشهر من انتهاء عدوان 2009، كانت العائلة في حالة صدمة. الآن، بعد 6 أشهر من حرب 2014، يبدون في حالة من الخدر. شرح لي عبد العاطي:

“أحد أعراض الصدمة هو الخدر؛ خدر الأحاسيس وخدر الجسد. عندما يعيش الناس في هذه الحالة من الصدمة المستمرّة، فإنهم يخلقون واقعهم الخاصّ الجديد”.

كفاح قهمان، مديرة الحضانة التي يرتادها إبراهيم عواچه، وصفت لي ذلك الواقع الجديد وهي تقودني وسط الحطام.

“ما زال الأطفال يبكون، خائفين، حتى الآن. قضينا شهرًا كاملًا نمدّهم بالدعم السيكولوجي، ونجتثّ خوفهم من الحرب”.

Mounds of rubble and destroyed buildings continue to scar the landscape of Gaza on June 10, 2015, Gaza City, Gaza. The devastation across Gaza can still be seen nearly one year on from the 2014 conflict between Israel and Palestinian militants. United Nations official figures said that the 50 day war left at least 2,189 Palestinians dead, including more than 1,486 civilians, and 11,000 injured. 67 Israeli soldiers and six civilians were killed. Money pledged by the international community six months ago to rebuild Gaza has not materialised leaving many Palestinians impoverished and still suffering.

ورغم أن السقف الأسمنتي ما زال سليمًا، وأعمدته التي تدعّمه، فإن معظم الحوائط سقطت. أشارت قهمان إلى جسم يبلغ طوله 15 سنتيمترًا بين قطع الأسمنت والحديد المتناثرة. “هذا أحد الصواريخ التي دمّرت المكان”.

دمّر الجيش الإسرائيلي 20 مدرسة في غزة خلال الحرب، منها 11 دار حضانة، وألحق الضرر بأربعمائة وخمسين منشأة تعليميّة. من ضمنها كانت ثلاث مدارس تابعة للأمم المتحدّة، تحولّت إلى ملاجئ هاجمها الإسرائيليون وقتلوا 44 فلسطينيًّا. صحيحٌ أن تقريرًا للأمم المتحدة أفاد أن ثلاث مدارس تابعة للأمم المتّحدة تم اتخاذها كمخازن سلاح من قِبل مسلّحين فلسطينيين – لكنها ثلاث مدارس مختلفة عن تلك التي آوت العائلات المشرّدة.

تكدّس تلاميذ قهمان الصغار البالغين من العمر 3 إلى 5 سنوات على سجادة بلاستيكية صغيرة، وحدّقوا في وجهي. كلّهم تأثر مباشرة بالحرب: قُتل فرد من العائلة، أو أصيب، أو أُجبرت العائلة على مغادرة المنزل. تناقضت الألوان الزاهية لحقائب “هالو كيتي” و”دورا” بحدّة مع النظرة المتبلّدة في العيون، كما لو كان قد غطّاها حجاب رقيق. والصاروخ على مقربة من أقدامهم. تقول قهمان:

“بعض الأطفال أصبحوا عدوانيين، يضربون زملائهم ويحطّمون محتويات الفصل. أحد الأطفال كان مبتهجًا قبلًا، والآن لا يكف عن البكاء لوالديه، طوال اليوم”.

امتلأ فناء الحضانة، خلف الحائط المدمّر، بالركام. تجاوز أحد الأطفال الحائط غير الموجود إلى الفناء، والتقط قطعة صغيرة من الخرسانة. غرسها في الرمال بإحكام، ثم عاد ليلتقط أخرى. انضمّ إليه طفل آخر. وخلال دقائق، كان جميع الطلبة يبنون، في صمت، أبراجًا من ركام حضانتهم المدمّرة.

تقول شيريبانوف:

“لقد رأيت، وسمعت عن مشاهد مماثلة في كوسوفو وأوكرانيا. يبني الأطفال مبانٍ من الركام ثم يدمّرونها، ويمثّلون مع بعضهم مشاهد من جنازات. هي طريقة عادية في معظم الحالات يعالج بها الأطفال الذين تعرّضوا للصدمة خبراتهم”.

رغم تزايد الاهتمام الذي تحظى به صحّة الأطفال العاطفية والعقلية في مناطق الحرب، فإنه يبقى الكثير مما يجب فعله. خاصّة من أجل تدعيم البنية التحتية للمجتمع. “مثل العائلة، المنظمات المجتمعية، والمدرسين. يوفّر هذا نوعًا من الدعم الانسيابي للأطفال ولأعضاء المجتمع الآخرين، المتعرّضين للصدمة”.

Gaza Strip Refugees Struggle After Weeklong Israeli Military Offensive in Gaza

يوسف أحمد، هو مدرس ابتدائي ممتلئ الجسد، أشقر، في شرقيّ مدينة غزّة، بحيّ الشجاعية. “كانت حرب الصيف الماضي هي أسوأ الحروب الثلاثة. لقد عانى الأولاد بشدّة”.

كنت قد رأيت مسبقًا الآثار المروّعة للحملة الإسرائيلية التي استمرّت 4 أيام في الشجاعية. مناطق بأسرها دمّرت؛ ليس بها منزل مأهول على مدّ البصر. سوّت طائرات F-16 المنازل بالأرض، وتكدّست طوابقها فوق بعضها، وفجّرت قذائف الدبّابات والهاون حوائط العديد من المنازل الأخرى. رسومات بالإسبراي لعائلة قتلتها الطائرات على حائط مزدان بالرصاص. وشبابٌ يحمّلون عربات الكارو بالركام، لينظفوا مخلّفات الحرب شيئًا فشيئًا.

عندما عاد تلاميذ أحمد إلى مدرسة الشجاعية الابتدائية، بعد أسبوعين ونص من وقف إطلاق النار – يقول:

كان حديثهم كله عن الحرب، والتفجيرات والدمار الذي شهدوه: من تم تفجيره؟ وكيف قُطعت رجلاه؟ كيف مات أحد أفراد عائلته؟ كيف وإلى أين تمّ تهجيرهم؟ يتحدّثون عن صوت الطائرات الذي لا يتوقّف لحظة. أحد التلاميذ كان نجمًا في الصف الأول، ولكنه عندما بدأ صفّه الثاني، لاحظت تغيّرًا في سلوكه. كان منعزلًا، لا يتحدّث إلى الناس. أخبرتني عائلته أنّه رأى أخاه وهو يُقتل، غارقًا في دمائه.

عدّد أحمد التغيّرات السلوكية التي يراها الآن في الفصل: “هناك الانسحاب، قضم الأظافر، الخوف، نوبات الفزع الليلي التبول في الفراش. ليس فقط في الليل، لكن أحيانًا بعض الأطفال يبللون سراويلهم في الفصل. هناك مشاكل في التخاطب، ولعثمة. أصبح سلوكهم أكثر عدوانية وعنفًا، ومن لم ينسحب عن زملائه أصبح مفرط النشاط”.

يدعم التقرير الصادر عن فريق عمل حماية الأطفال بغزة، في أكتوبر 2014، مشاهدات أحمد. بلا استثناء واحد، كل من عاينهم التقرير يمرّون بتغيرات ملحوظة في السلوك. الأولاد يميلون أكثر إلى العدوانية، بينما تبدي البنات حزنًا عامًا، بكاءً، كوابيس متكررة وتبوّلًا سريريًّا.

لاحظ أحمد أيضًا تأثر قدرة التلاميذ على التعلّم.

Palestinian students are seen through a damaged sitting in a classroom at a goverment school in the Shejaiya neighbourhood of Gaza City on September 14, 2014 on the first day of the new school year. Half a million children in Gaza start the new school year three weeks late as a result of the devastating 50-day war between Israel and Hamas that ended on August 26, 2014. AFP PHOTO/MAHMUD HAMS (Photo credit should read MAHMUD HAMS/AFP/Getty Images)

“لديهم ضعف في الذاكرة، تشتّت في الانتباه، وتركيز منخفض. لا يستقبلون إلا قليلًا من المواد التي يتلقّونها. لقد فقدوا الرغبة في التعلّم والظروف الملائمة له كذلك. لا يمكنني أن أطلب من أحدهم عمل الواجب المدرسي وأنا أعلم أن الكهرباء منقطعة عنه. أو أنه لا يستطيع شراء الأقلام الرصاص والكرّاسات، لأنّ والده لا يجد عملًا”.

طبقًا للبنك الدولي، فإن معدلات البطالة في غزة تبلغ 43%، و60% على مستوى الشباب، وهي واحدة من أعلى معدلات البطالة في العالم.

أيضًا فإن المدرّسين أنفسهم مرّوا بذات الصدمة التي مرّ بها تلاميذهم. يجعل الحصار، والأزمة الاقتصادية الناتجة عنه، وكذلك الانقطاع شبه الدائم للكهرباء، يجعل كل ذلك الحياة جحيمًا. توقّفت المرتبات بسبب المواجهة بين حماس وفتح. نقص الوقود يجعل الانتقال من وإلى المدرسة صعبًا للغاية. يقول أحمد:

المعلّمون بشرٌ أيضًا. حالتهم العقلية تدهورت وأصبح تفكيرهم مبعثرًا، لا يقدرون على التركيز. صاروا أكثر عنفًا مع تلاميذهم بل ومع زملائهم.

مدرسة أحمد تعرّضت للقصف، لكنّ ما زال عملها مستمرًّا. أما المدرسة المجاورة فقد تمّ تدميرها كليًّا، و”توزّع طلبتها على مدارس أخرى”.

وضح التقرير أيضًا أن سفر الأطفال بعيدًا عن منازلهم للالتحاق بالمدرسة له تأثيره القاهر على الأطفال. طبقًا لـ”د. ياسر أبو جامع”، المدير التنفيذي لبرنامج غزة للصحة النفسية، فإن العيش وسط بقايا الحرب له ذات التأثير.

عندما يعيش الأطفال في منازل مدمّرة جزئيًّا، أو في خيام قريبة من الحطام، وحين يرتادون منازل دُمّرت فصولها، أو يجلسون إلى جانب المقاعد الفارغة لزملائهم المصابين أو المقتولين، يؤخّر هذا من عملية العلاج الطبيعي للصدمة، ويطيل من مدّتها.

يحاول العاملون في مجال الصحة النفسية إصلاح هذا. طبقًا لفريق عمل حماية الأطفال، فإن الدعم توفّر لأكثر من 50,000 طفل و20,000 بالغ في غزة. درّب برنامج الصحّة النفسية للأمم المتحّدة ثمانية آلاف معلّم على التغلّب على خبراتهم المتعلّقة بالصدمة، وخبرات تلاميذهم كذلك. والعمل مع منظمات المجتمع لا غنى عنه كما تقول شيريبانوف. لأن “نجاح الطفل في التعافي يعتمد بقدر كبير على الدعم العائلي، لكن عندما تكون العائلة نفسها متعرّضة للصدمة، ومثقلة، ربّما لا يتوفّر الدعم الكافي”.

***

أرتني ليلى الحلو مقطعًا مصورًا على هاتفها، لحفيديها التوأمين البالغين من العمر 6 أشهر، كرم وكريم. يرتديان ثيابًا خضراء متماثلة ويجلسان على الأريكة، يتمتمان لبعضهما البعض، يمسك كلٌّ منهما بإصبع الآخر. كان شكلهما متماثلًا بغض النظر عن شعر كرم المجعّد. “صوّرت هذا المقطع، قبل يومٍ واحد من مقتلهما”.

قلّبت ليلى في كومة من الصور لأحبابها الراحلين، مغمغمة: “رحمة الله عليهم”. يستعيد زوجها طلال ما حدث في الثالثة صباحًا، يوم الواحد والعشرين من يوليو عام 2014م، في الشجاعية. قُتل سبعة جنود إسرائيليين، وتلت ذلك ليلة من القصف العنيف انتقامًا، كما يؤمن الكثير من سكان الشجاعية. كانت ليلى تعدّ وجبة السحور عندما اتصّل أخو طلال، جهاد، ليطمئن على العائلة من منزله على قارعة الطريق المقابل. بعد دقائق، أطلقت طائرات F-16 صاروخين نحو منزل جهاد.

قادني طلال، وهو رجل أنيق بعويناته وشاربه، إلى كومة الركام التي انسحق تحتها أحد عشر فردًا من عائلته. ذكر طلال أسماءهم بهدوء: “أخي جهاد، وزوجته سهام، وأبناؤهما: محمد، وأحمد، وتحرير، وأسماء، ونجيّة ذات الخمسة عشر عامًا، وابنتي هداية زوجة أحمد، وأطفالهما: مرام ذات العامين، والتوأمان كريم وكرم”.

أشار طلال إلى عمود أسمنتي في الحطام. ثمّ أخفض رأسه، الذي بدا فجأة أكبر بعقد كامل عمّا كان عليه.

“كانت أسماء حيّة وذلك العمود على صدرها. كانت تحترق، طالبة النجدة”.

لساعتين، حاولوا تخليصها. ثمّ بدأ القصف مرة أخرى على رؤوسهم، واضطروا إلى الهرب للاحتماء، تاركين أسماء تناديهم. لم يأتِ وقف إطلاق النار إلا بعد الظهر، ليسمح لسيارات الإطفاء بالوصول وإزالة العمود. “كانت أسماء لا تزال حيّة، لكنّها فقدت وعيها وبقيت في حالة إغماء بالمستشفى. ثم ماتت في اليوم التالي.

أشار جهاد إلى أجزاء مختلفة من الحطام الأسمنتي المتناثر والحديد الملتوي. “من هنا أخرجنا جهاد وزوجته. كان هذا بعد ثمانية أيام. ثمانية أيام ظلا تحت الركام ولم يستطع أحدٌ الوصول إليهما. أحمد أخرجناه من هنا. محمد كان بجانب والده. عندما أخرجنا الجثث كانت منتفخة، متعفّنة”. بدا لوهلة عاجزًا عن التعبير، ثمّ كرّر التفصيلة التي يبدو أنها طاردت ذهنه مرارًا. “ثمانية أيام تحت الركام”.

GAZA CITY, GAZA - JUNE 15: Bomb damaged homes still scar the landscape with some families still living in the dangerously unstable buildings that scar Gaza on June 15, 2015, Gaza City, Gaza. The devastation across Gaza can still be seen nearly one year on from the 2014 conflict between Israel and Palestinian militants. Money pledged by the international community six months ago to rebuild Gaza has not materialised leaving many Palestinians impoverished and still suffering with the poor economy. United Nations official figures said that the 50 day war left at least 2,189 Palestinians dead, including more than 1,486 civilians, and 11,000 injured. 67 Israeli soldiers and six civilians were killed. (Photo by Christopher Furlong/Getty Images)

لم تكن هذه هي أول مآسي عائلة الحلو. قُتل ابن طلال وليلى، عز الدين، عام 2002. ثم في 2011، اخترقت شظية من قذيفة مدفعية إسرائيلية بطن ابنهما البالغ من عمر 9 سنوات آنذاك، أحمد. سمح له والداه بأن يخلع ملابسه ليريني الجروح الناتجة. لكن والداه كانا أكثر قلقًا حول سلوكه. تقول ليلى:

“أحمد وهديل يخافان ليلًا، ويبللان أنفسهما. يرفضان النوم في سريريهما وينامان معنا في الغرفة”.

لا يخرج أحمد من المنزل بعد مغرب الشمس. يصاب بالغضب بسهولة في المنزل، يصرخ في أمّه أو يكسّر الأطباق. يقول طلال: “لا نؤدبه على ذلك. نحن نعلم جيّدًا كيف يشعر”.

عندما سألته عن شعوره كأب، رد طلال: “وماذا يمكنني أن أفعل كأب؟ لا شيء في يدي”. ذات شعور العجز الذي يمر به كثير من أولياء الأمور في غزّة. يقول د. عبد العاطي:

لا يستطيع الآباء حماية أبنائهم، والأطفال يفهمون ذلك جيّدًا ويشعرون به. الآباء أنفسهم خائفون باستمرار.

يتفاقم هذا الخوف مع حالة الضبابية المنتشرة – هل ستكون هناك حرب أخرى أم لا؟ متى ستصل مواد البناء لنعيد بناء المنازل؟ كم ساعة سنحظى بالماء والكهرباء؟ هل سيكفينا الغاز حتى آخر الشهر؟

هنا يشرح د. أبو جامعي:

“الحصار المطوّل، والاعتداءات المتكرّرة تجرّد الناس من مواردها الدفاعية الطبيعية، من وسائل تفريغ الضغط، من قدرتهم على التغلب على الصعاب”.

***

كانت المرّة الأولى التي قابلت فيها أحمد أبو حطّاب، من مخيّم خان يونس للاجئين في جنوبيّ غزّة، عام 2001، كان حينها صبيًا في الحادية عشرة، يحبّ الخدع السحرية، وعلى وجهه ابتسامة لا يمكن إزالتها. لم تختف ابتسامته لحظة عندما ركب معي في سيارة الأجرة. تخرّج أحمد من الجامعة، بشهادة في تكنولوجيا المعلومات منذ خمسة أعوام، لكنه لم يستطع العثور على عمل. “لا عمل. لا كهرباء. لا أمل. لا مستقبل”.

بدأ يأس عائلة “أبو حطّاب” مع حصار 2007، وازدادت حدّته بشدّة بعد حرب 2014، كما علمت. حاول صديق لأحمد الهرب إلى إيطاليا في قارب. لكن القارب انقلب، والصديق غرق. عبير، أخت أحمد ذات الثلاثين عامًا، المدرّسة ذات الثلاث بنات، أضافت:

لم تدمّر الحرب المنازل والمستشفيات والمساجد وفقط. لقد دمّرت المشاعر أيضًا. أين نجد الأمل في الحياة؟.

عندما سألتُ العائلة عمّا يمكن أن يجلب لهم الأمل، تواترت الإجابات وتراكمت: أن نفتح المعابر. ننهي الحاصر. نبني مطارًا. يُسمح لنا بزيارة الأقصى. أن نحظى بحقوقنا كالآخرين.

لكن شيريبانوف تنبّه إلى مصدر آخر غير متوقّع للأمل.

“عندما يكون المستقبل ضبابيًّا، تأتي القوة من تجارب النجاة الماضية. لقد ابتُليت الإنسانية بالحرب منذ بداية الزمان، وطوّرت مهارات محفورة في الثقافات. مهارات تساعد في التغلّب على الماضي، والمحافظة على قِيَم الكرم، والتسامح، والتعاطف. من خلالها يمكن لتجارب الصدمة أن تتحول إلى مصدر قوّة”.


لكن د. أبو جامع لديه تحذير:ليلى الحلو هي مثال على هذا. بعد الحرب مباشرة، بدأت في حياكة فساتين للبنات الصغار في منطقتها، بالمجّان. “يساعدني ذلك على التعويض عن خسارتي، وفراغي العاطفي بعد موت أحبائي”. ورغم ما عليه المستقبل من وضع متزعزع، فإن الابنة الأكبر لعائلة عواچه تخطط لمستقبلها، حيث تجاوزت المرحلة الثانوية، وتخطّط للدخول للجامعة في الخريف، لدراسة الصحافة.

“عندما يكبر هؤلاء الأطفال الذي مرّوا بثلاثة اعتداءات.. عندما يقودون المجتمع.. كيف ستؤثر عليهم خبراتهم وذكرياتهم، والضغط والصدمات التي وقعت عليهم؟ لقد نشأوا في بيئة معادية بلا نافذة على المستقبل.. فماذا تبقّى لهم؟ لا شيء غير الغضب واليأس، الذي سيقود إلى العداء، الذي سيرتدّ على الإسرائيليين. هذا الوضع يجب أن ينتهي من أجل الأطفال في فلسطين وفي إسرائيل أيضًا”.

عندما كانت كفاح قهمان محاطة بالأطفال، أثناء لعبتهم في البناء من قطع الركام، قالت إن ما تحلم به لنفسها ولهؤلاء الأطفال بسيط:

“أن نجد خبزًا نأكله، وأن نتعلّم، وأن نحيا بكرامة”.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

http://www.sasapost.com/translation/gaza-children-psychological-problems/