من انتفاضة إلى انتفاضة

وعلى رغم عنف المعارضة العربية، لم تغير بريطانيا سياستها بل بادرت إلى تعيين هربرت صموئيل اليهودي الصهيوني البريطاني البارز أول مندوب سام بريطاني في فلسطين. وواصل مؤتمر السلام تحيزه الفاضح ضد العرب وضد شعب فلسطين بالذات، فقد حدد واجبات بريطانيا كدولة منتدبة من خلال تكرار نص وعد بلفور في صك الانتداب مع أن ذلك يتناقض وحق الشعب فى تقرير مصيره وسيره نحو الاستقلال بموجب ميثاق عصبة الأم المتحدة وبموجب وعود الحلفاء في هذا الصدد. ولهذه الأسباب اتخذت السلطات البريطانية إجراءات أمن غاية في الشدة واضطر وجهاء فلسطين إلى مقاطعة بعض الاجتماعات التي دعاهم صموئيل إليها. إلا أن صموئيل أخذ ينفذ خطة بريطانية مؤداها إقناع عرب فلسطين من جهة إن إنشاء وطن قومي لليهود هو أمر مفروغ منه ومن جهة أخرى محاولة كسب تأييد الفلسطينيين المعتدلين وأصحاب المصالح من خلال المودة الشخصية و"عدم التحيز" ضمن إطار تصريح بلفور. وكانت حقيقة هذه الخطة هي التنفيذ التدريجي لخطة تهويد فلسطين عن طريق الهجرة والاستيطان وتعليق الحكم الذاتي الذي من شأنه لو تم أن يتيح للعرب عرقلة إقامة الوطن القومي اليهودي. وسارعت الصحف العربية إلى الاحتجاج في شدة على "عزل فلسطين عن أمها سوريا وجعلها وطنا قوميا لليهود، وأشارت إلى "أن إقامة وطن قومي لعناصر غريبة في بلادنا لا يمكن أن يتم من دون المساس بحقوقنا الدينية والمدنية".

ووضع المؤتمر الفلسطيني الثالث الذي انعقد (بعد سقوط الحكم العربي في دمشق ) في كانون الأول 1920 سياسة وطنية عامة التزمت بها المؤتمرات اللاحقة وانطلقت من رفض وعد بلفور وعدم الاعتراف بشرعية الانتداب البريطاني لمخالفته مشيئة سكان البلاد ولتضمنه وعد بلفور وسياسة الوطن القومي اليهودي علاوة على رفض مبدأ الهجرة اليهودية والمطالبة بحكومة تمثيلية وطنية. وعندما زار تشرشل فلسطين عام 1921 بصفته وزيرا للمستعمرات، جابه تظاهرات عربية كانت تنادي بسقوط بلفور ورفض الصهيونية. إلا أن الوزير البريطاني تمسك بالسياسة الصهيونية مما دفع العرب إلى التظاهر على رغم حظر الحكومة للتظاهرات فوقعت صدامات بين المتظاهرين والشرطة أصيب فيها من أصيب الأمر الذي مهد الطريق لاشتعال ثورة (انتفاضة) يافا في أيار 1921 التي سرعان ما امتدت إلى الريف، واضطرت السلطات البريطانية - على رغم محاولات الوجهاء تهدئة الوضع - إلى إرسال مفارز عدة من الجنود والسيارات المدرعة والطائرات والشرطة إلى عدد من الأماكن وإرسال السفن البحرية إلى يافا وحيفا. ومع أن ثورة يافا كانت في الأصل موجهة ضد المهاجرين اليهود والمستعمرات اليهودية فإن دور القوات البريطانية وهجماتها الشرسة على التجمعات العربية المهاجمة للمستعمرات أثبتت التطابق التام بين سياسة بريطانيا والصهيونية. وقدرت لجنة التحقيق البريطانية عدد القتلى في الثورة ب ه 9 قتيلا بينهم 48 عربيا و 47 يهوديا.

وأربكت الصلابة الوطنية لعرب فلسطين تشرشل الذي اعترف أمام مجلس الوزراء بأن البلاد بأكملها في حالة الغليان "ولا تلقى السياسة الصهيونية قبولا لدى أحد غير الصهيونيين أنفسهم وأن كلا الجانبين العربي واليهودي مسلح وماض في التسلح ومستعد للانقضاض على الجانب الآخر".

وأوفدت القيادة السياسية وفدا لزيارة لندن، لكن مجلس الوزراء البريطاني رفض قبول المطالب الفلسطينية التي تقدم بها الوفد. ولم تنتظر الحركة الوطنية عودة الوفد بل مضت في عقد اجتماعات سياسية سرية هدفها مقاومة الهجرة اليهودية بالعنف عن طريق القيام بسلسلة منظمة من الغارات على اليهود في فلسطين. وقد وقعت اصطدامات دموية في القدس في تشرين الأول 1921 ذهب ضحيتها خمسة قتلى من اليهود وثلاثة من العرب وأصيب 36 شخصا بجراح.

حاولت الحكومة البريطانية تهدئة الموقف عن طريق كسب صداقة الحاج أمين الحسيني، الشاب الذي كان يتمتع بسمعة وطنية ويحلم بعطف شعبي، وذلك بالتساهل معه في الانتخابات التي جرت لملء مركزي الإفتاء والمجلس الإسلامي الأعلى، وبإصدار كتاب تشرشل الأبيض للعام 1922 الذي أعلن فيه أن تصريح بلفور لا يهدف إلى إخضاع السكان العرب أو الثقافة العربية وأن على الهجرة اليهودية ألا تتعارض مع الطاقة الاستيعابية الاقتصادية في البلاد، وأن الحكومة البريطانية تعتزم تبني التطور التدريجي نحو الحكم الذاتي الكامل. لكن عرب فلسطين رفضوا كتاب تشرشل الأبيض لأنه ينطلق من وعد بلفور ومن مبدأ حق اليهود في الهجرة إلى فلسطين أي الحق في الغزو التدريجي والسيطرة على فلسطين .

مطلب وطني أساسي

وعند هذه النقطة بدأت تتكشف معالم تغيير مهم في الاستراتيجية الفلسطينية إذ تولد اعتقاد أن الطريقة الوحيدة لمقاومة الانتداب وسياسته الصهيونية إنما هي معارضة الانتداب البريطاني كمجموع والتحرك نحو الاستقلال التام وإقامة دولة موحدة تتألف من سوريا وفلسطين. وكان الاتجاه الأخير متجاوبا مع التضامن المتزايد بين الهيئات الوطنية في كل من سوريا وفلسطين ومصر وتجدد الدعوة إلى الاستقلال والوحدة في سوريا. وقد حثت الهيئات الوطنية الفلسطينية الفلاحين على الامتناع عن دفع الضرائب إلى الحكومة وظهرت تيارات شابة تدعو إلى انتهاج أساليب ثورية وتتبنى "الاستفادة من البدو للقيام بحرب عصابات ". غير أن وجهاء الحركة الوطنية آثروا الوسائل السلمية. وفي آب 1922 عقد المؤتمر الفلسطيني الخامس وتبنى 18 قرارا أهمها رفض الدستور الفلسطيني المقترح ومقاطعة انتخابات المجلس التشريعي الذي نص عليه كتاب تشرشل الأبيض ومقاطعة مشروع روتنبرغ والبضائع اليهودية ومحاربة بيع العقارات لليهود وتعميق الوعي الوطني في الريف.

وتبني المؤتمر "ميثاقا وطنياً فلسطينيأ يشدد على مقاومة الصهيونية والتمسك بالوحدة العربية تنهد المؤتمرون بالتمسك به وأقسموا اليمين الآتية على ذلك :

"نحن ممثلي الشعب العربي الفلسطيني في المؤتمر العربي الفلسطيني الخامس المعقود في نابلس نتعهد أمام الله والتاريخ والشعب بأن نستمر في جهودنا الرامية إلى استقلال بلادنا وتحقيق الوحدة العربية بجميع الوسائل المشروعة وسوف لا نقبل بإقامة وطن قومي يهودي أو هجرة يهودية".

وتمكنت الحركة الوطنية من إحباط مشروع انتخاب المجلس التشريعي كما مارست اللجنة التنفيذية للمؤتمر الخامس ضغطا قويا على المرشحين المعينين من كبار الملاكين والوجهاء للمجلس الاستشاري (وهو بديل المجلس التشريعي) فاضطر هؤلاء إلى الاستقالة قبل موعد الجلسة الأولى. على أن الحركة الوطنية عجزت عن تصعيد الموقف مع الحكومة في المؤتمر الفلسطيني السادس الذي انعقد في حزيران 1923 نظرا إلى التدهور الذي طرأ على القضية العربية ونظرا إلى استفراد فلسطين من قبل البريطانيين والصهاينة علاوة على التركيب الطبقي والفكري للقيادة الفلسطينية العليا. ذلك أنه عندما ناقش المؤتمر مشروع الامتناع عن دفع الضرائب إلى الحكومة، أفاد العديد من الحاضرين -من اصحاب المصالح والمسنين- إنه من المتعذر تنفيذ ذلك من دون إحداث ثورة وأن من العبث أن يؤمل في نجاح ثورة ضد الحكومة البريطانية في بلد صغير وفقير كفلسطين.

وعندما وصل الانتداب الفلسطيني إلى مرحلة التنفيذ الكامل بناء على قرار مجلس عصبة الأمم الصادر في التاسع والعشرين من أيلول 1923، كانت مواقف أطرف الصراع الثلاثة قد تبلورت : فالحكومة البريطانية متمسكة في قوة بتصريح بلفور وسياسة الوطن القومي اليهودي. والحركة الصهيونية كانت مقتنعة بأن بنود الانتداب الصهيوني والسياسات البريطانية وجهود الحركة الصهيونية في الهجرة والاستيطان كفيلة بأن تؤدي إلى تحقيق هدفها فى الوصول بالبلاد إلى أكثرية يهودية وبالتالي السيطرة السياسية عليها. اما في صفوف الأكثرية العربية الفلسطينية فكان ثمة اقتناع بأن بريطانيا والانتداب هما الحاميان الفعليان للصهيونية وأن سياسة الوطن القومي إنما تمثل تلاحم المصالح الإمبريالية البريطانية في المنطقة العربية بالاستعمار الصهيوني فى فلسطين وأن هدف الحركة الصهيونية إجلاء عرب فلسطين عن ديارهم .

�ع بأن بريطانيا والانتداب هما الحاميان الفعليان للصهيونية وأن سياسة الوطن القومي إنما تمثل تلاحم المصالح الإمبريالية البريطانية في المنطقة العربية بالاستعمار الصهيوني فى فلسطين وأن هدف الحركة الصهيونية إجلاء عرب فلسطين عن ديارهم .

المصدر: منتديات لعصابة انفو الثقافية

بحثهامعنفلسطينوتاريخالقضيةالفلسطينية\السيدحسنالأمين